نحو تسوية النزاع الحدودي بين الهند والصين

نحو تسوية النزاع الحدودي بين الهند والصين
بقلم : ذِكْرُ الرحمن
تعتبر علاقات الهند مع الصين واحدة من أهم علاقاتها الدولية، حيث إن الصين ليست فقط الشريك التجاري الأكبر للهند، ولكنها أيضا جارتها الأكثر تهديداً لها. غير أن القضية التي لا تزال تهيمن على الخطاب بين الدولتين هي النزاع الحدودي المعلق. قد عبر رئيس وزراء الهند مانموهان سينج عن هذا الأمر مباشرة قائلاً إنه يتعين على الدولتين إظهار بعض الحساسية تجاه سيادة الدولة الأخرى والتحرك بسرعة لحل قضية الحدود. لكن القول أسهل من الفعل، ومع ذلك، فقد وقعت الدولتان أثناء هذه الزيارة اتفاقية للتعاون الدفاعي الحدودي تهدف إلى نزع فتيل التوتر على حدودهما المشتركة، والذي ينشأ من الحدود غير المرسمة، حيث تشهد العديد من البقع هناك نزاعات. وتقضي الاتفاقية بإنشاء خط ساخن بين مقار قيادة الجيش في الدولتين وتفهما بألا يقوم الجنود على الجانبين بتعقب دوريات بعضهما بعضاً بطول الحدود.
وتأتي هذه الاتفاقية نتيجة لزيادة التوتر الدبلوماسي في شهر أبريل من هذا العام، عندما أنهت القوات الصينية الوضع الراهن على الحدود، وأقامت خيامها في "وادي ديسبانج بمنطقة لداخ"، ومن ثم أقامت القوات الهندية بدورها قاعدة قريبة، ما أدى إلى حدوث مواجهة أدت في الواقع إلى زيادة التوتر الدبلوماسي. وبينما تم حل النزاع على الصعيد الدبلوماسي، كان هناك شعور بالحاجة إلى التأكد بأن مثل هذه الأحداث لن تتجاوز نقطة معينة.
وفي الواقع، فإن الاتفاقية تهدف إلى تسهيل التواصل بين جيشي الدولتين للحفاظ على أي تصاعد في الأوضاع تحت السيطرة، كما اتفق الجانبان أنه في حالة حدوث أن تصاعد، فمن حق كل طرف الحصول على توضيح من الطرف الآخر. وتقضي الاتفاقية، التي تم توقيعها عقب محادثات "مانموهان" مع نظيره الصيني "لي كه تشيانج"، بأنه إذا كان الطرفان في وضع مواجهة في مناطق ليس بها تفاهم مشترك، فإن كلا منهما عليه ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، والامتناع عن القيام بأي عمل استفزازي وعدم استخدام القوة ضد الطرف الآخر ومعاملة بعضهما البعض باحترام ومنع تبادل إطلاق النار أو القيام بصراع مسلح.
هناك قليل من الشك أن الاتفاقية هي موضع ترحيب لأنها ستجلب الخير نتيجة لزيادة التواصل، لكن التجربة خير برهان. فالأمر ليس أن الهند والصين ليس لديهما اتفاقية أو آلية للحد من التوترات. فهناك عدد من الاتفاقيات لإدارة الحدود. وبالتالي، يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الاتفاقية الجديدة ستحدث أي فارق عند تنفيذها.
يذكر أن الهند والصين قد خاضتا حرباً دموية خلال الستينيات من القرن الماضي بسبب النزاع الحدودي، الذي لا يزال دون حل بين الدولتين. وعلى الرغم من أنه ليس من المرجح أن تخوض الدولتان حرباً كاملة حول هذا النزاع، إلا أنه يظل مصدراً للتوتر حتى وإنْ كانت الدولتان تمضيان قدما في علاقاتهما الثنائية. وبالفعل تم عقد 15 جولة من المحادثات بين ممثلين خاصين للدولتين غير أنه لم يتم إحراز إلا القليل من التقدم، ففي حين يتم إحراز خطوة للأمام في العلاقات الهندية-الصينية، كانت تحدث أيضا بعض الانتكاسات. ولم توقع الدولتان اتفاق تحرير التأشيرة المزمع والذي يهدف إلى تخفيف قواعد منح التأشيرات لأصحاب الشركات. وقد كانت الشركات الهندية على وجه الخصوص تضغط بشدة لإبرام هذا الاتفاق لتسهيل ممارسة الأعمال التجارية مع الصين. غير أن نيودلهي قررت ألا توقع الاتفاق بسبب سياسة التأشيرة الخاصة بالصين بالنسبة للهنود من كشمير وولاية "أروناتشال براديش" المتنازع عليها والتي كانت تمثل نقطة خلاف لبعض الوقت.
فالصين تطالب بالسيادة على أرض مساحتها 90 ألف كيلومتر مربع في ولاية "أروناتشال براديش"، التي تعتبرها جزءاً من التبت الجنوبي، والتي كانت تحت سيطرة الهند منذ الاحتلال البريطاني كجزء من أراضيها. ولأنها صديقة مقربة من باكستان، فإن الصين تعتبر كشمير أيضا منطقة متنازع عليها. وبالتالي، فإن بكين تصدر تأشيرات دخول للأشخاص من كشمير و"أروناتشال براديش" في أوراق منفصلة يتم إلحاقها بجوازات السفر الخاصة بهم. وتعتبر الهند ذلك بمثابة رسالة أن الصين لا تعترف بسيادتها على كشمير و"أروناتشال براديش"، وبالنسبة لسائر المواطنين الهنود، يتم إلصاق التأشيرة على جوازات سفرهم وفقا للممارسات الدولية. كما أن الهند لا تعترف بالتأشيرة على ورقة منفصلة عن جواز السفر، ولا تسمح لحاملي تأشيرة الهجرة هذه بزيارة الصين.
على الرغم من أن رئيس وزراء الهند أكد على الحاجة لوجود إطار مستقر للتوصل إلى تسوية عادلة ومقبولة من الطرفين بشأن المسألة الحدودية، إلى أنه في الواقع ليس من المرجح التوصل لحل بشأن قضية الحدود المعقدة في أي وقت قريب. وفي حين أن زيارته ساهمت في إظهار حسن النوايا، إلا أنه من غير المرجح أن تكون نهاية لتفجر النزاعات بين الدولتين.
وبينما تواصل العلاقات بين البلدين النمو في مجالات أخرى مثل التجارة والمعاملات التجارية، فإنه يتعين على الدولتين تناول مسألة التوترات على الحدود. لكن الأمر قد يكون في منتهى الصعوبة في ظل عدم موافقة الصين على التخلي عن مطالبتها بالأرض المتنازع عليها.
وتسعى الهند إلى الحصول على تسهيلات لمنتجاتها في السوق الصينية، كما تطمع بالمزيد من الاستثمارات الصينية في اقتصادها.
يذكر أن التبادل التجاري بين البلدين يميل في الوقت الحاضر بقوة لصالح الصين، إلا أنهما اتفقا على أن يبلغ حجم التبادلات التجارية بينهما 100 مليار دولار بحلول عام 2015.
ويبلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والهند حاليا 61.15 مليار دولار. ومن جانبه، ذكر رئيس الوزراء الصيني أن الجانبين ملتزمان بمواصلة زخم اللقاءات الثنائية رفيعة المستوى، وسيصدران لاحقاً بياناً مشتركاً يوضح خطتهما لإقامة تحالف استراتيجي بين البلدين.
المصدر : صحيفة الاتحاد الإماراتية

0 التعليقات:

إرسال تعليق