هل تتخلى الصين عن عدم التدخل؟

هل تتخلى الصين عن عدم التدخل؟
بقلم : سركيس نعوم*
أظهر انضمام الصين إلى روسيا الاتحادية في ممارسة حق النقض (أي "الفيتو") في مجلس الأمن حيال مشروع قرار غربي يدين وبقوة القمع القاسي جداً الذي مارسه نظام الرئيس بشار الأسد على غالبية الشعب السوري الثائرة عليه، شعوراً لديها بالحاجة إلى إحداث تغيير جوهري في سياستها الخارجية. وجعل ذلك الصينيين وباحثين آسيويين كثيرين، متابعين من قرب لهذه الدولة الكبيرة الصاعدة ببطء ولكن بثبات السلم الموصل إلى مدينة الدولة العظمى، يتأكدون أنها قررت التخلي عن قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى التي التزمتها طويلاً.
لكنهم لا يزالون يجهلون موعد تنفيذ قرار كهذا، وإذا كانت وضعت جدولاً بالظروف والقضايا والمصالح التي تجعلها تنفذه. علماً أنهم يرجحون أن يكون الدافع لتضامنها مع الموقف الروسي في مجلس الأمن هو خشيتها أن ترتد عليها الإدانة الدولية لنظام يقمع شعبه في سوريا، باعتبار أنها تمارس القمع نفسه مع أقلية الأويغور المسلمة (عددها يناهز الـ 100 مليون نسمة). لكنهم يكادون أن يكونوا واثقين أن النمو الاقتصادي والحاجة المتزايدة إلى موارد طبيعية غير متوافرة عندها لا بد أن يدفعاها وفي وقت غير بعيد إلى وضع سياسة عملانية تحفظ مصالحها الحيوية والإستراتيجية، ولا يكون مبدأ عدم التدخل المشار إليه أعلاه جزءاً منها.
ومن الموارد المذكورة النفط والغاز اللذان تشكل دول عربية عدة داعمة بل متبنية لأي إدانة وأي عمل دوليين ضد نظام سوريا المصدر الأساسي لهما. وفي انتظار انتهاء السياسة المذكورة، يقول الباحثون الآسيويون المتابعون أنفسهم، اتخذت الصين مواقف عدة بيَّنت في وضوح أنها بدأت تسلك تغيير سياسة عدم التدخل. فهي امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن، ولم تمارس حق النقض بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن، على مشروع قرار سمح بتنفيذ حملة عسكرية جوية ضد نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عقاباً له على قمع شعبه إلى درجة الإبادة. كما دعمت قراراً آخر في المجلس المذكور فرض حظر على شحنات السلاح إلى ليبيا، ونصَّ على عقوبات عدة أخرى. وانطلق الموقفان المشار إليهما من تعامل سابق جيد مع نظام القذافي أتاح للصين البدء في تنفيذ مشروعات بقيمة 18٫8 مليار دولار وتشغيل زهاء 35 ألف من مواطنيها فيها، ومن رغبة في عدم خسارة ذلك كله.
هل للشعب الصيني أو لقادة الرأي العام فيه موقف من سياسة التدخل في شؤون الدول الأخرى المعمول بها أو من الدعوة إلى تغييرها؟
تلقت السلطات الصينية -يجيب الباحثون الآسيويون أنفسهم- مرتين في الآونة الأخيرة (عام 2012 والعام الذي قبله) انتقادات شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي لعجزها عن حماية 29 عاملاً صينياً اختطفهم ثوار سودانيون و25 آخرين اختطفهم أفراد قبائل في شبه جزيرة سيناء المصرية. وركز أصحابها أن الصين كقوة عظمى عليها أن تبرز عضلاتها الاقتصادية والعسكرية لحماية مواطنيها الذين يعرّضون حياتهم للخطر في سبيل المصلحة العامة، تماماً مثلما تفعل الولايات المتحدة عندما ترسل سفنها الحربية لحماية رعاياها أو لإنقاذهم أو لإجلائهم تجنباً لأخطار حروب مرتقبة وعمليات إرهابية تستهدفهم. وطبعاً "محت" السلطات المذكورة الانتقادات المذكورة، علماً أن نظامها لا يسمح بالكثير منها عادة، وذلك بعدما أثارت نقاشاً شعبياً حول أيهما أكثر حماية للصين ومصالحها التخلي عن سياسة عدم التدخل أو التمسك بها. لكن ذلك كله أشعر المسئولين الصينيين بالحاجة إلى إجراء مراجعة لسياسات بلادهم حيال الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحتى باكستان وأفغانستان.
والتقارير المتوافرة عن هذا الأمر تشير إلى أن هؤلاء يبحثون في إقامة قواعد عسكرية في باكستان قرب الحدود مع أفغانستان، وقاعدة بحرية في بلوشستان، وذلك لمواجهة المساعدات التي يتلقاها الثوار المسلمون من البلدين المذكورين، ولتأمين استمرار تدفق النفط والتبادل التجاري. ومصالحها الاقتصادية والنفطية تجعلها مهتمة أيضا باليمن والخليج وباب المندب.
في اختصار، يشدد الباحثون الآسيويون أنفسهم، على أن الصين القوة العظمى الاقتصادية الصاعدة ستصبح لاعباً عالمياً (دولياً) قادراً على حماية مصالحه بقوته العسكرية. ويعني ذلك أن عليها اتخاذ مواقف جدية وحاسمة من قضايا وأزمات دولية تؤثر على مصالحها وعدم الاكتفاء إما بالتأييد السلبي أو بالرفض السلبي، فهل تفعل؟
كاتب صحفي لبناني

المصدر: النهار اللبنانية

0 التعليقات:

إرسال تعليق