الصراع الروسي ـ الأميركي: أبعد من سوريا

الصراع الروسي ـ الأميركي: أبعد من سوريا
كشفت التجربة التي خاضها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كرئيس للدولة، ثم كرئيس للحكومة، والآن كرئيس للدولة مرة ثانية، إن سياسة "الدفاع" التي انتهجها لم تؤدِ إلا إلى المزيد من تشجيع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على المزيد من "الهجوم".. بل وحتى على المزيد من التهجم.
فعملية تمدد حلف شمال الأطلسي نحو الشرق لم تتوقف. بل إن هذه العملية قفزت إلى بعض دول آسيا الصغرى حيث أقامت الولايات المتحدة قواعد عسكرية فيها. كذلك فان إغراءات الاتحاد الأوروبي الاقتصادية استدرجت العديد من دول الجوار الروسي إلى عضوية الاتحاد، مما يعني أن على هذه الدول أن تدير ظهرها إلى الحليف التاريخي السابق في الكرملين.
خرج الرئيس بوتين من هذه التجربة بمشروع طموح جديد. يقضي هذا المشروع بإنشاء اتحاد مشابه للاتحاد الأوروبي يضم دول الجوار في القوقاز غرباً، وفي آسيا الوسطى شرقاً. لا يعني ذلك بالضرورة إحياء الكوميكون (الاتحاد الاقتصادي) أو حلف وارسو (الاتحاد العسكري) اللذين كانا قائمين في زمن الاتحاد السوفيتي السابق، ولكنه يعني إعادة إحياء الإمبراطورية الروسية والتصدي لعملية الاختراق والتطويق والحصار التي يواجهها الكرملين اقتصادياً وأمنياً، وبالتالي استراتيجياً.
في عام 2010 أنشأت روسيا مع بيلاروسيا وكازاخستان اتحادًا جمركيًا. ودعت الدول الأخرى في أوروبة مثل أوكرانيا، وفي آسيا مثل طاجكستان وغيرغيستان إلى الانضمام إليه. وفي نية الرئيس بوتين تحويل هذا الاتحاد الجمركي إلى اتحاد أوروبي آسيوي، على غرار الاتحاد الأوروبي. ولكن إذا كان الاتحاد الأوروبي قام على قاعدة ثنائية فرنسية ألمانية، فان الاتحاد الآسيوي الأوروبي مرشح للقيام على وحدانية روسية فقط. ذلك لأن أياً من الدول الأخرى المدعوة للانضمام إليه لا تشكل سياسياً واقتصادياً، ثنائية مع روسيا.
فطاجكستان مثلاً تعتمد في اقتصادها على اليد العاملة المهاجرة، وفي الدرجة الأولى إلى روسيا. وتبلغ قيمة تحويلات العمال المهاجرين 47 بالمائة من الدخل القومي. ذلك أن خمس اليد العاملة مهاجرة إلى روسيا ونصف من هم في سن العمل مهاجرون.
أما غيرغيستان فان البنك الدولي يصنفها ثالث دولة فقراً (بعد ليبيريا في أفريقيا). ويقوم اقتصادها بدرجة أساسية على إعادة تصدير المنتوجات الصينية إلى دول المنطقة وحتى إلى روسيا أيضاً. وقد جعلت الصين منها محطة للتجارة مع دول المنطقة، كما كانت ترغب أن تفعل في لبنان عندما حاولت استئجار المعرض التجاري في مدينة طرابلس وتحويله إلى معرض دائم لمنتجاتها.
يدرك الكرملين مدى سوء الأوضاع الاقتصادية التي تواجهها دول آسيا الصغرى. ويدرك أيضاً مدى سوء المشاعر العدائية المتصاعدة ضد مواطني هذه الدول من المسلمين في المجتمع الروسي. إلا أن الكرملين يدرك أيضاً الحاجة إلى إعادة احتواء هذه الدول تحت المظلة الروسية. ويدرك كذلك انه يمكن توظيف الحاجات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الدول من أجل إعادة إحياء الإمبراطورية السوفيتية السابقة؛ ويدرك أخيراً أنه إذا لم يفعل الكرملين ذلك فإن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سوف يتمكنان في المستقبل من استغلال الأوضاع الصعبة في هذه الدول لإثارة المتاعب في وجه روسيا الاتحادية ومن ثم لابتزازها. فتحت ضغط الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها بعض هذه الدول، فإنها تعمد إلى تأجير الولايات المتحدة قواعد عسكرية ترى فيها روسيا خطراً على أمنها القومي. وترى روسيا أن باستطاعتها تقديم بديل أفضل لهذه الدول من خلال دعوتها إلى الانضمام إلى الاتحاد الجمركي، ومن ثم إلى الاتحاد الآسيوي الأوروبي، الأمر الذي يغني هذه الدول عن الحاجة إلى تأجير قواعد عسكرية لعدو الكرملين!!
والواقع إن دول آسيا الوسطى تشكل أسواقاً استهلاكية واسعة. وهي غنية بثرواتها الطبيعية التي يحتاج إليها الاتحاد الروسي. وفوق ذلك فإن هذه الدول تحتل مواقع إستراتيجية مهمة. فهي على تماس مع الشرق الأوسط من جهة، ومع شرق آسيا من جهة ثانية.
وإذا كان الاتحاد الجمركي يقتصر على حرية تنقل الأموال والخدمات والمنتوجات، فإن الاتحاد الآسيوي الأوروبي يتجاوز ذلك إلى التعاون الاقتصادي والسياسي وكذلك إلى التنسيق الأمني.
والاتحاد مفتوح أمام دول شرق أوروبة التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي السابق أو متحالفة معه، أو مرتبطة معه بمعاهدات اقتصادية وعسكرية. وعلى رأس هذه الدول أوكرانيا وجورجيا. ولذلك يتمحور الصراع الروسي الأوروبي حول تقرير هوية هاتين الدولتين اللتين تحتلان موقعاً استراتيجياً مهماً بالنسبة للطرفين المتنافسين، الاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي. ورغم ان روسيا تحتل مقاطعتين من جورجيا هما أبخازيا وجنوب أوسيتا، ورغم الحرب التي وقعت بينهما منذ عدة سنوات (تتهم موسكو حلف شمال الأطلسي بتحريض الحكومة الجيورجية السابقة على الحرب ثم التخلي عنها بعد أن استخدمت روسيا القوة العسكرية لحسم الموقف)، فإن الكرملين يحاول استرجاع جورجيا عبثاً إلى حظيرته. ففي شهر نوفمبر المقبل سيوقع الاتحاد الأوروبي مع جورجيا (وكذلك مع أرمينيا) على اتفاق للتعاون التجاري. أما أوكرانيا فلا تزال في مرمى النفوذ الروسي بسبب حاجتها الماسة إلى النفط والغاز الروسيين. ومن دونهما تتجمد الحياة فيها أثناء فصل الشتاء .
لقد فرضت روسيا نفسها في منطقة القوقاز محرضاً أحياناً ومصلحاً أحياناً أخرى بين القوى المحلية المتصارعة، وخاصة بين أرمينيا وأذربيجان. ولا تزال قضية مقاطعة ناكورني كاراباخ موضع صراع غير محسوم بين الدولتين. فالمقاطعة تقع في أذربيجان إلا أن سكانها من الأرمن. ورغم أن أرمينيا تتطلع إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فإن روسيا لا تزال تؤيدها ضد أذربيجان. ورغم أن أذربيجان دولة إسلامية شيعية، فان إيران تؤيد أرمينيا أيضاً. ولذلك ألقت أذربيجان بأوراقها في حضن اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وعقدت معاهدة أمنية مع إسرائيل تستورد منها حاجتها من السلاح والذخيرة!! وتستورد أذربيجان، وهي دولة نفطية بامتياز، السلاح من روسيا أيضاً الذي قاتلت به أرمينيا.
إن المياه العكرة في القوقاز تشكل فرصة مناسبة للكرملين للصيد فيها، معتمداً على حاجات متناقضة لدول المنطقة.
لقد حاولت تركيا تسوية علاقاتها التاريخية السيئة مع أرمينيا من بوابة التوسط مع أذربيجان (التي تتكلم لغة تركمانية). إلا أنها فشلت في ذلك. وربما يكون لروسيا دور في هذا الفشل. وحاولت منظمة التعاون الإسلامي إقامة جسور من التعاون الاقتصادي والثقافي بين الدول الإسلامية الآسيوية التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق والدول الإسلامية الأخرى. ولكنها فشلت في ذلك أيضاً. شجع هذا الفشل إسرائيل على الانفتاح على بعض هذه الدول ليس اقتصادياً فقط، بل أمنياً وسياسياً أيضًا.
وأمام هذا التقصير أو الفشل في الانفتاح على الدول الحديثة في القوقاز وفي آسيا الوسطى، فإن هذه الدول لا تجد أمامها سوى الدعوة إلى العودة إلى الحاضنة الروسية. وهي دعوة أشبه ما تكون "بالمستجير من الرمضاء بالنار"!!
غير أن علامة الاستفهام الكبيرة التي ترسمها هذه التطورات المتلاحقة تتعلق بموقف الكرملين من مأساة الشعب السوري. فالكرملين يعرف مدى تعاطف الشعوب الإسلامية في القوقاز وفي وسط آسيا مع معاناة الشعب السوري، ومع ذلك فقد تولى الدفاع عن النظام حتى بعد استخدام السلاح الكيماوي.
كيف ينعكس هذا الموقف الروسي على دعوة هذه الدول الإسلامية للانضمام إلى الاتحاد الجمركي وإلى الاتحاد الآسيوي الأوروبي الذي تعرضه موسكو؟
إن الجواب رهن بتطورات ما بعد التغيير المنتظر في سوريا.

محمد السمّاك - نقلاً عن المستقبل اللبنانية

0 التعليقات:

إرسال تعليق