عميل باكستاني لـ «CIA»: لا بديل للطائرات بدون طيار
يرى أنها أنسب وسيلة لمحاربة المتطرفين
تحدث باكستاني يعمل
مخبراً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إي) مع حسنين كاظم في مقابلة
لـ«شبيغل» عن دوافعه لمساعدة الأميركيين، والضحايا المدنيين نتيجة هجمات الطائرات
بدون طيار، والخوف من حركة طالبان.
ألغى العميل الاستخباراتي
محمد حسن اجتماعات رتبنا لها مرات عدة. كذلك كان يتصل بنا من هاتف مختلف كل مرة. وما
كان يقدّم أي أسباب، مكتفيّاً بالقول: «لا أستطيع حضور الاجتماع للأسف». لكنه ظهر فجأة
في فندق صغير لا يثير الشبهات في كراتشي. كان هذا الرجل القصير بلحيته الطويلة التي
تخللها الشيب يرتدي عمامة بيضاء، قميصاً قطنيّاً باكستانيّاً تقليديّاً أبيض يصل إلى
الركبة وسروالاً قطنيّاً. يعمل حسن مع وكالة الاستخبارات المركزية.
يقدّم حسن المعلومات
لمهمات الطائرات بدون طيار الأميركية في المناطق القبلية الباكستانية على الحدود مع
أفغانستان. يعيش في هذه المنطقة، وهو ينتمي إلى الإثنية البشتونية. أخبرنا أنه قرر
الخروج عن صمته لأنه إن لم يفعل فقد يجن، وخصوصًا أن العالم بأسره ينتقد هجمات الطائرات
بدون طيار، ما يجعل العالم، من وجهة نظره، ينتقد أعماله أيضاً. قال: «أشعر أن هذا السلاح
يشكّل الأداة الفضلى في الحرب ضد المتطرفين».
يعارض حسن المحادثات
مع حركة طالبان، مع أن الحكومة الباكستانية تؤيدها. يذكر: «ماذا يمكن التحاور بشأنه
مع هذا النوع من الناس؟ بشأن تشاطر السلطة؟». يعتبر أن حركة طالبان تريد تأسيس دولة
إسلامية وفق مفاهيمها الخاصة، دولة لا طرقات فيها ولا مدارس ولا موسيقى ولا فنون ولا
متعة في الحياة. ويضيف: «لا شيء غير الصلاة، الصلاة، والصلاة. لا دخل لهذه الدولة بالإسلام
المعاصر». لذلك يخشى الفوضى التي قد تنشأ في حال أنهى الأميركيون مهمات الطائرات بدون
طيار في باكستان لأنها ستغرق في صراع مستميت على السلطة.
وبما أنه يخشى أيضاً
أن يُفتضح أمره ويُقتل على يد عناصر طالبان، طلب منا ألا نذكر اسمه الحقيقي أو مهنته
أو حتى تحديد المكان الذي يقيم فيه في المنطقة القبلية. وأكّد لنا أنه لا يستطيع التكلم
معنا بصراحة إلا وفق هذه الشروط. وأحضر معه صوراً لاجتماعات مع قادة طالبان، فضلاً
عن وثائق تؤكد، على حد قوله، قدرته على الاطلاع على معلومات مهمة.
-
ماذا كنت تتوقع؟
·
يبدو كل البشتون كالبشتون.
وإذا كنت أطيل لحيتي وأرتدي ملابس أهل القبائل التقليدية، فهذا لا يعني أنني أنتمي
إلى حركة طالبان. فبيننا أناس عقلاء أيضًا.
-
تنقل معلومات إلى وكالة
الاستخبارات المركزية الأميركية، التي تستخدمها لقتل مواطنين من بلدك بواسطة طائرات
من دون طيار. هل تعتبر ذلك تصرفاً عاقلاً؟
·
نخوض حرباً، وأنا جزء
منها. متى تكون الحرب منطقيّة؟ أعتقد صراحة أن مهمات الطائرات بدون طيار الأميركية
تشكّل الحل الأنسب. فما من سلاح أكثر فاعلية في محاربة المتطرفين. قُتل حكمة الله محسود،
رئيس طالبان طوال سنوات، في الأول من نوفمبر. وقُتل قبل عدد كبيرة من المتطرفين الرفيعي
الشأن إلى حد ما. ومن وجهة النظر العسكرية، حققت الولايات المتحدة نجاحاً كبيراً. وقد
ساهمت في هذا النجاح.
-
تشتكي الحكومة والجيش
في باكستان من أن الاعتداءات الأميركية تنتهك السيادة الباكستانية.
·
أي سيادة؟ فقدت باكستان
السيطرة على المناطق القبلية منذ عقود. ويملك الجيش ثكنات محدودة في تلك المنطقة. تشبه
هذه الثكنات حصوناً مدعّمة، وقلما ويتجرأ الجنود على الخروج منها. علاوة على ذلك، لا
يُطبّق القانون الباكستاني أو الدستور أو أي قانون آخر في المناطق القبلية. القوانين
القبلية وحدها السائدة. تدّعي حركة طالبان أنها فاعلة جدّاً. لكنني أعتقد أن عناصرها
يعتمدون على غرائزهم البدائية أكثر من أي أمر آخر. لكنني أدرك أن على السياسيين والجنرالات
الباكستانيين الادعاء أمام الشعب أنهم يعارضون هجمات الطائرات بدون طيار.
·- هل تلمّح إلى فكرة أن الحكومة توافق سرّاً على هذه المهمات، كما تُظهر تقارير
السفارة الأميركية التي نشرها موقع ويكيليكس؟
·
المجتمع الباكستاني
محافظ، وترفض غالبية الناس حرب الطائرات بدون طيار الأميركية. فهم يصدقون احتجاجات
الحكومة في إسلام أباد، ويعتقدون أن الأميركيين ينتهكون سيادتنا. ومن غير المقبول،
في رأيهم، أن تقتل الولايات المتحدة المسلمين في باكستان، فهؤلاء إخوتهم وأخواتهم في
الإيمان. ولهذا السبب، لا يملك المسئولون في باكستان أي خيار غير إبعاد أنفسهم علانية
عن هجمات الطائرات بدون طيار.
-
كيف ترد على الاتهام
أن الاعتداءات تودي بحياة كثير من المدنيين؟
·
هراء ودعاية كاذبة ليس
إلا. يقدّر مكتب الصحافة الاستقصائية في لندن أن نحو 2534 إلى 3657 شخصًا لقوا حتفهم
في 379 هجومًا من هذا النوع منذ عام 2004، بمن فيهم 416 إلى 948 مدنيًّا. هل يُفترض
أن تكون هذه لعبة تخمينات؟ يبدو لي أن هذه الأرقام غير الدقيقة مختلَقة. فيستند معظم
التقديرات على مقالات الصحف الباكستانية، التي ترتكز بدورها على معلومات لا يمكن التحقق
منها يزودها بها أناس من المناطق القبلية. ولكن من تجربتي على الأرض، يمكنني أن أؤكد
أن هذه الهجمات توقع ضحايا من المدنيين يشملون للأسف نساء وأولاداً. لكن هؤلاء الضحايا
يشكلون جزءاً صغيراً من المجموع. لا أملك أرقاماً دقيقة. ولكن هل يصدّق أحد حقًّا أن
الولايات المتحدة تشن حرباً مكلفة وحساسة سياسيّاً في باكستان بهدف قتل المدنيين؟ معظم
الضحايا أعداء للولايات المتحدة ولباكستان.
-
هل تتحمل اللوم عندما
يقع ضحايا من المدنيين لأنك مررت معلومات خاطئة إلى الأميركيين؟
·
لا شك في أن خطر ارتكاب
الأخطاء يبقى قائماً دوماً. وقد حاول البعض، على ما يبدو، انتقاد أعدائهم، آملين أن
تقتلهم الولايات المتحدة في هجوم بطائرات من دون طيار. لكن هذه الحوادث قليلة ولم أعرف
بها إلا من خلال الأقاويل التي يتناقلها الناس. لكن ما يحدث فعلاً هو أن الناس الذين
يكونون بجوار الهدف حين يُحدَّد يموتون أيضاً. فلا تستطيع الطائرة أن تختار فرداً من
ضمن مجموعة. على سبيل المثال، عندما يقصد أحد قادة طالبان قرية، ينتاب الفضول الناس
ويخرجون للترحيب به. ولكن إذا استهدفته طائرة بدون طيار في تلك اللحظة، تقتل أيضاً
مدنيين لا دخل لهم بطالبان. نتيجة لذلك، أدى خطر الطائرات بدون طيار المستمر إلى تعزيز
عزلة المتطرفين اجتماعيّاً. وهذا نجاح بحد ذاته.
-
هل تشعر بتأنيب الضمير؟
·
كلا، ما البديل لهجمات
الطائرات بدون طيار؟ عملية عسكرية يشنها الجيش الباكستاني أو، لا سمح الله، غزو أميركي.
في كلتا الحالتين، سيسقط عدد كبير جدّاً من الضحايا.
-
هل تقوم بهذا العمل
من أجل المال؟
·
نعم، إلى حد ما. لكنني
مقتنع تماماً أنني أفعل الصواب.
-
كم تتقاضى بالتحديد؟
وأي نوع من المعلومات تقدّمها للأميركيين؟
·
أحصل على نحو مئتي دولار
شهريّاً، وهو مبلغ كبير في هذا الجزء من العالم. لكن هذه ليست مهنتي الأساسية. أزوِّد
الأميركيين بالمعلومات كافة التي أعرفها وأعتقد أن من الضروري نقلها، مثل أي معلومات
عن أجانب يأتون إلى مناطقنا، الأماكن التي تُقام فيها الاجتماعات، وغيرها.
-
إلى مَن تقدّم هذه المعلومات؟
·
إلى وسطاء باكستانيين.
دعوني أوضح أمراً: الجانب الباكستاني متورط في هذه المسألة.
-
ألا تخشى أن يُفتضح
أمرك؟
·
نعم، أخاف ذلك. تدرك
حركة طالبان أن شخصاً ما ينقل المعلومات إلى الأميركيين. وثمة وحدة خاصة مهمتها فضح
أمر الجواسيس ومعاقبتهم. حتى مَن يُشتبه فحسب في أنه مخبر يواجه المشاكل. وعندما يُفتضح
أمر جاسوس، يُقتل رمياً بالرصاص أو يُفجَّر، وتُصوَّر اللحظات الأخيرة قبل إعدامه.
لذلك عندما تراهم يحملون كاميرا فيديو، تدرك أن النهاية أتت. ثم تظهر جثث الناس ملقاة
على جانب الطريق مع قرص DVD يكشف
طريقة الإعدام، فضلاً عن رسالة تؤكد أن الجواسيس كلهم سينالون المصير ذاته.
-
لمَ تخبرنا بهذه المعلومات،
إن كان الوضع خطيراً إلى هذا الحد؟
·
لأنني أشعر بحاجة إلى
الكلام. أشعر أحياناً أنني سأجن. تحظى هجمات الطائرات بدون طيار بدعم في المناطق القبلية
أكثر مما يظن الناس حول العالم. ولكن لا يتجرأ أحد على رفع الصوت. فالكل خائفون لأن
أي شخص يتحدث بشكل إيجابي عن الهجمات يُقتل. لذلك لا نعلم مَن يقف إلى جانب مَن. كذلك
تنشر منظمات حقوق الإنسان أخيراً فكرة أن حرب الطائرات بدون طيار تحدث رغماً عنا. ربما
تعارض الغالبية الحرب، ولكن الجو العام السائد ليس واضحاً إلى هذا الحد. فنحن نرغب
في العيش بسلام، ولن يتحقق ذلك إلا بعد تخلصنا من أولئك المتطرفين المتخلفين.








0 التعليقات:
إرسال تعليق