منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة:
شيطان مقنّع باسم ملائكي
كتبه: محمد جميل
في السابع والعشرين من فبراير 2014، حثّت منظمة الأمم
والشعوب غير الممثلة (UNPO) الاتحاد الأوروبي والأمم
المتحدة على التدخّل في شبه جزيرة القرم - أوكرانيا، بغية حماية المدنيين، وخاصة جماعات
التتار القرمية والأقليات الأوكرانية بالمنطقة، وسط تصاعد التوترات المندلعة منذ الإطاحة
بالرئيس الأوكراني السابق المعروف بالانحياز لروسيا.
إنّ لهذا لحقٌ جزءٌ من الصراع المستمر فيما بين الولايات
المتحدة وروسيا لإحكام الهيمنة على جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقًا، بعد أن أصبحت
دولًا مستقلة. فيما تنشط منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة في بعض تلك الدول بغرض تقسيم
شعوب الدول المناهضة للإمبريالية. وهنا يطرح السؤال نفسه: منذ أن كانت الأمم المتحدة،
والتي تسيطر عليها القوى العظمى المخوّلة باستخدام حق النقض (الفيتو)، قادرة على خلق
تيمور الشرقية وغيرها من الدول الجديدة الأخرى، فماذا كان الدافع إذن لتشكيل محفل جديد
مثل منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة؟ يبدو أن منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة تمهّد
الوضع على الأرض من خلال إثارة الأزمات للانفصاليين، ومن ثمّ تقنع الأمم المتحدة بتسوية
الأمر.
لم تكن بريطانيا وغيرها من الدول الأوروبية الأخرى
بعد الحرب العالمية الثانية في وضع يسمح لها بالسيطرة على مستعمراتها، خاصة دولة مثل
الهند الممتدة على مساحات شاسعة من الأرض. وهكذا، عمدت القوى الاستعمارية المنسحبة
إلى خلق تقسيمات وتجزّأت المستعمرات وقت إعلان استقلالها.
لقد تداولوا بدهاء نزاعات إقليمية وحدودية معيّنة عامدين
إلى الإبقاء عليها دون تسوية، الأمر الذي يمكنّهم من جعل تلك الدول المتجاورة في حالة
حرب فيما بينها. لقد طمست القوى الاستعمارية معالم الدول العربية القديمة، وأقامت أخرى
جديدة. لقد أقامت دولة إسرائيل محل فلسطين؛ في حين تم تقسيم الكونغو إلى برازافيل و
ليوبولدفيل؛ بينما تم تقسيم كل من فيتنام وكوريا إلى شمالية وجنوبية. وكذلك قُسّمت
الصين إلى جمهورية الصين الشعبية، وتايوان وهونج كونج. لقد عمدوا إلى خلق النزاع الكشميري
ليكون كالشوكة التي تعكّر صفو العلاقة بين الهند وباكستان، مما أدى إلى اندلاع حربين
بينهما لعدم تسوية القضية الكشميرية.
ففي الماضي، أطاحت الولايات المتحدة بالتعاون مع القوى
الغربية بحكومات ديمقراطية مثل حكومة رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، والرئيسي التشيلي
سلفادور أليندي، من خلال انقلابات عسكرية، وكل جرم اقترفوه هو قيامه بتأميم صناعات
هامة مثل النفط والنحاس – على التوالي، بُغية إحكام السيطرة على الثروات الطبيعية لدولهم.
هناك وجهة نظر بأنّ المؤامرات قد حيكت، وتمخّضت عن اغتيال باتريس لومومبا والإطاحة
بالرئيس أحمد سوكارنو. علاوة على ذلك، لعبت الولايات المتحدة دورها في تأجيج الحرب
الإيرانية العراقية، والصراع العربي الإسرائيلي، ودعم المخرّبين المعارضين للحكومة
الثورية في نيكاراجوا. طويلة تلك القائمة التي تضم أشكال التدخّل والتخريب والهيمنة
والإطاحة بحكومات العالم الثالث، مما يتعذّر معه الإسهاب في بيانها. بعد حل الاتحاد
السوفيتي، بدأ تشكيل منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة عام 1990 في تارتو، إستونيا،
ليتم الإعلان عن تشكيلها في 11 فبراير 1991، في لاهاي، بصفتها منظّمة دولية تُعنى بالمجموعات
السياسية الممثّلة للشعوب الأصلية والأقليّات والأقاليم غير المعترف بها أو المحتلة.
حتى ولو كان ذلك داخل دولة وطنية، ومن خلال دعم القوميات الفرعية، حيث تعتبرها إقليمًا
محتلًا.
يتمثّل الهدف المعلن - على الورق فقط - من تأسيس منظمة
الأمم والشعوب غير الممثلة في تعليم الجماعات أي من القنوات يتبعونها لإسماع أصواتهم
العالم، وكذلك المساعدة في فض النزاعات مما يحول دون لجوء الجماعات خائبة الأمل إلى
العنف لجذب الانتباه إلى مطالبهم؛ إلا أنّ الهدف في الواقع هو إثارة مشاعر الانفصاليين.
حققت بعض الدول الأعضاء السابقين فيها مثل أرمينيا وتيمور الشرقية وإستونيا ولاتفيا
وجورجيا استقلالها الكامل وانضمت إلى الأمم المتحدة.
والمنظمات غير الحكومية (NGOs) التي يشار إليها عادة
بـ "منظمات المجتمع المدني"، والتي تمثّل جمعيات غير ربحية نظّمت على المستويات
المحلية أو الإقليمية أو الدولية لتُعنى بقضايا تتمحور حول رخاء ومصلحة الناس. تقدّم
بعض تلك المنظمات غير الحكومية حقيقة خدمات إنسانية تتمثل في التغلب على الفقر، والأمراض
الوبائية، والكوارث الطبيعية، والنوازل المفجعة الأخرى التي تحل بالعامة. إلا أنّه
وللأسف تسعى القوى الغربية المموّلة لمنظمات المجتمع المدني تسعى لتوسيع نفوذها السياسي.
ومن ثمّ، ترعى الإمبريالية العالمية تشجيع مجموعات
المصالح الإقليمية للثورة ضد الحكومات الشرعية وتشكيل آليّات ملائمة للترويج لأجندات
إمبريالية. ووفقًا للأهداف والأغراض التي من أجلها تأسست منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة،
لم يكن أعضاؤها ممثّلين بشكل كافٍ في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة، ومن ثّم اعتُبرت
أداة مهمة لمساعدة الأقليّات والمجتمعات المهمّشة والقوميات الفرعية لإيجاد منصة تنطلق
من خلالها أصواتهم، ويحافظون بها على هوياتهم ويتحاشون بها التهميش والاستبعاد الكلّي.
في البداية تأسست منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة
بصفتها منظّمة دولية بعضوية (15) دولة، بينما تتجاوز عضويتها حاليًا (40) دولة من بينها
بلوتشستان، جيلجيت-بالتيستان، شيتاجونج، كردستان العراقية، كردستان الإيرانية، مورو،
السند، صومالي لاند، تايوان، التبت، الخ. يلاحظ المتأمل لتشكيل عضويات منظمة الأمم
والشعوب غير الممثلة أنّ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية قد اضطلعت بتحريض
الباكستانيين على المشاركة في أنشطة مناهضة للجمهورية الباكستانية، والترويج للانشقاق.
لقد اضطلعت منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة بدور هائل في دعم قوميات بالوتش الفرعية،
والترويج لأجندات انفصالية، من خلال إبداء التحالف مع الانفصاليين. يشارك أعضاء منظمة
الأمم والشعوب غير الممثلة في كل نشاط مناهض للجمهورية الإسلامية الباكستانية، ومسيرات
التظاهر المناهضة التي ينظّمها الانفصاليين البلوتش في الخارج، بهدف تشويه صورة باكستان
وفي ذات الوقت زرع بذور النزعة الانفصالية.
هناك حاجة إلى شجب وإدانة أنشطة منظمة الأمم والشعوب
غير الممثلة في دعم الانفصاليين وإبراز نواياها الخبيثة من خلال القوميات الفرعية.
إنّ باكستان دولة ذات سيادة ولن تسمح بأية مخطّطات خبيثة تمس وحدة أراضيها. إنّ منظمة
الأمم والشعوب غير الممثلة تنتهك ميثاقها الأساسي بمشاركة أعضائها في أنشطة ومخطّطات
معادية للدولة، بل وتبرز المنظّمة كفاحهم كذلك، على الرغم من الادعاء بأنّ الهدف من
تأسيسها إنّما يتمثّل في تعليم الانشقاقيين كيفية اتباع المسار السلمي.
إلا أنّ الحقيقة هي أنّ الانفصاليين ما هم سوى مجموعة
من المتمرّدين، وأنّ أية منظّمة تروّج لمصالح المتمرّدين ضد دولة ذات سيادة، إنّما
يمثل عملًا غير قانوني وغير شرعي. تجدر هنا الإشارة إلى أنّ منظمة الأمم والشعوب غير
الممثلة تفتقر إلى المركز الاستشاري مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهي هيئة تابعة
للأمم المتحدة تسعى إلى جلب الخير إلى الفقراء أو من هم على وشك الانقراض بسبب الظروف
الخارجة عن سيطرتهم.
وعليه، يتضح لنا جليًا كيف تقف الإمبريالية الغربية
خلف تلك المنظّمات لتحقيق مخطّطاتها. وبهذا يتعيّن على باكستان عدم التخلي عن الحذر
والحيطة عند التعامل مع الولايات المتحدة والغرب.







0 التعليقات:
إرسال تعليق